الرحم شجنة من الرحمن

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e أنه قال « الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته» رواه البخاري.

الرد :

والشجنة هي عروق الشجر الملتفة والمشتبكة. ويقال: « الحديث ذو شجون» أي ذو شعب طويلة مرتبط بعضها ببعض.

ليس صلة الرحم من ذات الله وإنما اشتق لها اسما من اسم الله لعظم شأن الرحمة وصلة الرحم فهي إضافة تشريف كقوله تعالى ] هذه ناقة الله لكم آية[ (الأعراف73).

وقوله (الرحم شجنة من الرحمن) لابتداء الغاية وليس للتبعيض. وهو كقوله تعالى ] إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ[ (النساء171).

 

قال الامام عز الدين الصنعاني :

4504 - "الرحم شجنة من الرحمن، قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته". (خ) عن أبي هريرة وعن عائشة (صح).

(الرحم شجنة من الرحمن) أي اشتق اسمه من اسمه كما بينه الحديث القدسي "أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي". (قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته) أي أعرضت عنه وهو تحذير شديد من القطيعة.

التنوير شرح الجامع الصغير – الصنعاني – ج 6 ص 297

 

وقال الامام الطيبي :

الحديث العاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((شجنة من الرحمن)) ((تو)): الشجنة بالكسر عروق الشجر المشتبكة. وكذلك الشجنة بالفتح، والشجنة بالسكون واحد شجون الأودية وهي طرفها. ويقال: الحديث ذو شجون، أي يدخل بعضه في بعض. والمراد من الرحمن أي من هذا الاسم يدلك عليه حديثه الآخر. قال الله تعالى: ((أن الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي)) المعنى: الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فالقاطع منها قاطع من رحمة الله.

الحديث الحادي عشر عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((معلقة بالعرش)) في الأحاديث الثلاثة بيان مراتب الرحم بعضها من بعض، كبيان مراتب اللياذ. فالأولى لمن هو أخص الأرحام بوساطة الولادة؛ لأن الأخذ بحقوى الرحمن أبلغ في القرب، والثانية دونها؛ لأن الاشتقاق اللفظي مستدع للتناسب بين معنييها، فالقريب دون الأول كالأخوة والأعمام ونحوهما وفرعيهما. والثالثة دونهما؛ لأن التعلق بالعرش دون التعلق بالرحمن وبحقويه. فالقريب منهم أولو الأرحام.

((مح)): للصلة درجات بعضها أرفع من بعض. واختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها، فقيل: في كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى، حرمت مناكحتهما. فعلى هذا لا يخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال....

شرح المشكاة – الطيبي – ج 10 ص 3162

 

قال الملا علي قاري :

(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّحِمُ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ: رَحِمُ الْأَقَارِبِ كَيْفَ كَانُوا (شِجْنَةٌ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ وَسُكُونِ الْجِيمِ فَنُونٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّهَا مُثَلَّثَةٌ وَضُبِطَ فِي النِّهَايَةِ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ (مِنَ الرَّحْمَنِ) أَيْ مِنَ الْحَرَمِ الْمُشْتَقِّ مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ، فَكَأَنَّهَا مُشْتَبِكَةٌ بِهِ اشْتِبَاكَ الْعُرُوقِ، وَقِيلَ فِي وَجْهِ الشَّجْنَةِ أَنَّ حُرُوفَ الرَّحِمِ مَوْجُودَةٌ فِي اسْمِ الرَّحْمَنِ، وَمُتَدَاخِلَةٌ فِيهِ كَتَدَاخُلِ الْعُرُوقِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ مُشْتَبِكَةٌ بِهَا، فَالْقَاطِعُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْوَاصِلُ فِيهَا وَاصِلٌ إِلَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ( «فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ» ) أَيْ: أَيُّهَا الرَّحِمُ بِالصِّلَةِ (وَصَلْتُهُ) أَيْ: بِالرَّحْمَةِ ( «وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» ) أَيْ: عَنْهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنْ عَنْ عَائِشَةَ.

مرقاة المفاتيح – علي القاري – ج 7 ص 3085