انما انت منذر ولكل قوم هاد

قال الله تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) : الرعد } .

قال العلامة الشنقيطي : " قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ}، أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا.

وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [2/272]، وقوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [13/40]، ونحو ذلك من الآيات.

قوله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد بالهادي الرسول، كما يدل له قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ} الآية[10/47] "
أضواء البيان - محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الشنقيطي - ج 2 ص 223

فهداية البيان والارشاد لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , وهداية التوفيق والالهام لله تعالى فقط , ولقد جاء في القران ما يدل على هدايةالبيان , والارشاد , وذلك كقول الله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) : الشورى } . وهداية التوفيق , والالهام مثل قول الله تعالى : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) : القصص } .

ويتناقل الرافضة رواية لا تصح بان الهادي هو علي رضي الله عنه , ولقد رد هذه الرواية الامام الالباني سندا , ومتنا , ونقل في اثناء كلامه عليها ما ذكره شيخ الاسلام ابو العباس ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه من كلام علمي نفيس قد اجاد وافاد فيه , قال الامام الالباني : " 4899 - ( أنا المنذر ، وعلي الهادي ، بك يا علي ! يهتدي المهتدون [بعدي] ) .

موضوع

أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (13/ 72) ، والديلمي (1/ 310-311- زهر الفردوس) ، وابن عساكر (12/ 154/ 1) من طريق الحسن بن الحسين الأنصاري : أخبرنا معاذ بن مسلم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ؛ قال النبي صلي الله عليه وسلم ... فذكره .

قلت : وهذا إسناد مظلم ؛ وله ثلاث علل :

الأولى : اختلاط عطاء بن السائب .

الثانية : معاذ بن مسلم ؛ قال الذهبي في ترجمته : "مجهول . روى عن شرحبيل بن السمط ؛ مجهول . وله عن عطاء بن السائب خبر باطل سقناه في (الحسن بن الحسين)" .

الثالثة : الحسن بن الحسين الأنصاري - وهو العرني - ؛ وهو متهم ، وقد تقدم شيء من أقوال الأئمة فيه تحت الحديث (4885) ؛ فلا داعي للإعادة .

وقد ساق الذهبي في ترجمته هذا الحديث من مناكيره من رواية ابن الأعرابي بإسناده عنه . وقال : "ومعاذ نكرة ، فلعل الآفة منه" .

وأقره الحافظ في "اللسان" .

وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (4/ 499- منار) : "وهذا الحديث فيه نكارة شديدة" .

وأقره الشوكاني في "فتح القدير" (3/ 66) .

وسكت عنه الطبرسي الشيعي في "تفسيره" (3/ 427) !

قلت : وقد روي موقوفاً : رواه حسين بن حسن الأشقر : حدثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبدالله الأسدي عن علي : (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ؛ قال علي : رسول الله صلي الله عليه وسلم المنذر ، وأنا الهادي .

أخرجه الحاكم (3/ 129-130) ، وابن عساكر (12/ 154/ 1) عن عبدالرحمن ابن محمد بن منصور الحارثي عنه . وقال الحاكم :

"صحيح الإسناد" !

ورده الذهبي بقوله : "قلت : بل كذب ، قبح الله واضعه" .

قلت : ولم يسم واضعه ، وهو - عندي - حسين الأشقر ؛ فإنه متروك كما تقدم بيانه تحت الحديث (358) . وقد قال الذهبي فيه - في حديث بعد هذا في "التلخيص" - : "قلت : الأشقر وثق . وقد اتهمه ابن عدي" .

والحارثي - الراوي عنه - قال ابن عدي : "حدث بأشياء لم يتابع عليها" . وقال الدارقطني وغيره : "ليس بالقوي" .

ومما يؤيد نكارة الحديث : أن عبد خير رواه عن علي في قوله ... فذكر الآية ؛ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "المنذر والهادي : رجل من بني هاشم" .

أخرجه عبدالله بن أحمد في "زوائد المسند" (1/ 126) ، ومن طريقه ابن عساكر : حدثني عثمان بن أبي شيبة : حدثنا مطلب بن زياد عن السدي عنه .

وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات .

وقد رواه ابن عساكر من غير طريق عبدالله فأفسده ؛ قال : أخبرنا أبو العز بن كادش : أنبأنا أبو الطيب طاهر بن عبدالله : أنبأنا علي بن عمر بن محمد الحربي : أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبدالجبار : أخبرنا عثمان بن أبي شيبة ... فساقه مختصراً بلفظ : "والهادي علي" .

وهو بهذا الاختصار منكر ، ولعله من أبي العز بن كادش - واسمه أحمد بن عبيدالله - شيخ ابن عساكر ؛ فقد قال ابن النجار : "كان مخلطاً كذاباً ، لا يحتج بمثله ، وللأئمة فيه مقال" .

وتوفي سنة ست وعشرين وخمس مئة . ووقع في "اللسان" : "ست وخمسين ..." ! وهو خطأ ، والتصحيح من "الشذرات" .

وعلي بن عمر الحربي ؛ فيه كلام أيضاً ؛ ولكنه يسير ، فراجعه - إن شئت - في "اللسان" .

والحديث مما تلهج به الشيعة ؛ ويتداولونه في كتبهم ، فهذا إمامهم ابن مطهر الحلي قد أورده في كتابه الذي أسماه "منهاج الكرامة في إثبات الإمامة" (ص 81-82- تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم) من رواية "الفردوس" ؛ قال :

"ونحوه أبو نعيم ، وهو صريح في ثبوت الإمامة والولاية له" !!

وقلده عبدالحسين في "مراجعاته" (ص 55) ، ثم الخميني في "كشف الأسرار" (ص 161) ؛ وزاد عليهما في الكذب والافتراء أنه قال : "وردت في ذلك سبعة أحاديث عند أهل السنة" !

ثم لم يذكر إلا حديثاً واحداً زعم أنه أسنده إبراهيم الحموي إلى أبي هريرة !

فمن إبراهيم الحموي هذا ؟ والله لا أدري ، ولا أظن الخميني نفسه يدري ! فإن صح قوله أنه من أهل السنة ؛ فيحتمل أن يكون إبراهيم بن سليمان الحموي ، المترجم في "الدرر الكامنة" ، و"شذرات الذهب" ، و"الفوائد البهية" ، و"الأعلام" للزركلي ، فإن يكن هو ؛ فهو من علماء الحنفية المتوفى سنة (732 هـ) ، فإن كان هو الذي عناه الخميني ، وكان صادقاً في عزوه إليه ؛ فإنه لم يذكر الكتاب الذي أسند الحديث فيه . فقوله عنه : "أسند" ! كذب مكشوف ؛ إذ كيف يسند من كان في القرن الثامن ، فبينه وبين أبي هريرة مفاوز ؟!

ولو فرضنا أنه أسنده فعلاً ؛ فما قيمة مثل هذا الإسناد النازل الكثير الرواة ؟! فإن مثله قل ما يسلم من علة ؛ كما هو معلوم عند العارفين بهذا العلم الشريف !

والعبرة من هذا العزو ونحوه مما تقدم عن هؤلاء الشيعة ؛ أنهم كالغرقى يتعلقون ولو بخيوط القمر ! فلقد ساق السيوطي في "الدر المنثور" في تفسير هذه الآية عدة روايات ؛ وليس فيها حديث الخميني عن أبي هريرة !

وأما حديث ابن عباس الذي احتج به ابن المطهر الحلي ؛ فقد عرفت ما فيه من العلل ، التي تدل بعضها على بطلانه ؛ فكيف بها مجتمعة ؟!

فاسمع الآن رد شيخ الإسلام ابن تيمية على الحلي ؛ لتتأكد من بطلان الحديث ، وجهل الشيعة وضلالهم ؛ قال رحمه الله (4/ 38) : "والجواب من وجوه :

أحدها : أن هذا لم يقم دليل على صحته ؛ فلا يجوز الاحتجاج به ، وكتاب "الفردوس" للديلمي فيه موضوعات كثيرة ، أجمع أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل على صحة الحديث ، وكذلك رواية أبي نعيم لا تدل على الصحة .

الثاني : أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ، فيجب تكذيبه ورده ..." .

ثم ذكر بقية الوجوه ؛ وهي تسعة ؛ ولولا أن يطول الكلام لسقتها كلها لأهميتها ؛ منها قوله : "الخامس : أن قوله : "بك يهتدي المهتدون" ؛ ظاهره أن كل من اهتدى من أمة محمد فبه اهتدى ! وهذا كذب بين ؛ فإنه قد آمن بالنبي صلي الله عليه وسلم خلق كثير واهتدوا به ودخلوا الجنة ؛ ولم يسمعوا من علي كلمة واحدة ، وأكثر الذين آمنوا بالنبي صلي الله عليه وسلم واهتدوا به لم يهتدوا بعلي في شيء ، وكذلك لما فتحت الأمصار وآمن واهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وغيرهم ؛ كان جماهير المسلمين لم يسمعوا من علي شيئاً ، فكيف يجوز أن يقال : بك يهتدي المهتدون ؟!" .

ثم ذكر في الوجه السادس ؛ أن الصحيح في تفسير الآية : أن المقصود بها النبي صلي الله عليه وسلم ؛ فهو النذير وهو الهادي . وأما تفسيره بعلي فباطل ؛ لأنه قال : (ولكل قوم هاد) ؛ وهذا يقتضي أن يكون هادي هؤلاء غير هادي هؤلاء ، فتتعدد الهداة ، فكيف يجعل علي هادياً لكل قوم من الأولين والآخرين ؟! "
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة - محمد ناصر الدين الالباني - ج 10  ص 535 - 540

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ أَنَا الْمُنْذِرُ وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا وَأخرج بن أَبِي حَاتِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وبن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ هُوَ عَلِيٌّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ " فتح الباري - ابو الفضل احمد بن علي بن حجر - ج 8 ص 376

فقد صدر الحافظ ابن حجر كلامه مستغربا ما اخرجه الطبري بسند حسن , ثم بعد ذلك بقوله : فان ثبت , ومن المعلوم ان هذه الصيغة تفيد التشكيك بالثبوت , ثم انهى كلامه بقوله : ولو كان ثابتا ما تخالفت رواته .

فاقول ان كلام الحافظ محمول على تحسين الرواة ومن المعروف ان تحسين السند لوحده لا يفيد الثبوت , وذلك لعدم توفر الشروط الاخرى للثبوت كالشذوذ , والعلة , ولهذا نجد العبارات التي ذكرها الحافظ رحمه الله تدل دلالة واضحة على عدم اعتبار الرواية , قال الامام ابن الصلاح : " قَوْلُهُمْ " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، أَوْ حَسَنُ الْإِسْنَادِ " دُونَ قَوْلِهِمْ: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ حَدِيثٌ حَسَنٌ " لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ "، وَلَا يَصِحُّ، لِكَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلًا.

غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ الْمُعْتَمَدَ مِنْهُمْ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ عِلَّةً، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ، فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْحُكْمُ لَهُ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ "
مقدمة ابن الصلاح - ابو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح - ص 38

ولقد ذكر الامام الالباني رحمه الله العلل المتعلقة بهذه الرواية وبين عدم ثبوتها من ناحية السند , والاشكالات في المتن .

ولقد ذكر الحافظ الرواية في اللسان , ونقل رد الامام الذهبي لها , ووافقه على حكمه , قال الحافظ : " وقال بن الأعرابي حدثنا الفضل بن يوسف الجعفي ثنا الحسن بن الحسين الأنصاري في مسجد حبة العرني ثنا معاذ بن مسلم عن عطاء بن السائب عن سعيد عن بن عباس إنما أنت منذر قال النبي صلى الله عليه و سلم انا المنذر وعلي الهادي بك يا علي يهتدي المهتدون رواه بن جرير في تفسيره عن أحمد بن يحيى عن الحسن عن معاذ ومعاذ نكرة فلعل الآفة منه "
لسان الميزان - ابو الفضل احمد بن علي بن حجر - ج 2 ص 199