معركة (الفلوجة)

26-03-2020
معركة (الفلوجة)

معركة (الفلوجة)


بينما كانت القوات الأمريكية تتهيأ لخوض معركة (الفلوجة) في بداية شهر نيسان/ 2004 كانت الأحداث تتسارع في مناطق أخرى لتؤدي في النهاية إلى وقوع معارك بينها وبين الشيعة من أتباع مقتدى الصدر: فقد أغلقت سلطات الاحتلال قبل بضعة أيام من ذلك صحيفة "الحوزة" الناطقة باسم مقتدى الصدر؛ فخرجت على أثر ذلك مظاهرات كبيرة تستنكر إغلاق الصحيفة. كما خرجت مظاهرات أخرى على إثر اعتقال السلطات الأمريكية الشيخ مصطفى اليعقوبي أحد أتباع مقتدى بتهمة الاشتراك في قتل الخائن عبد المجيد الخوئي. وخرجت كتائب "جيش المهدي" في استعراض عسكري طافت من خلاله شوارع بغداد عبرت فيه عن قوتها وهي تعلن - بلسان حالها - أن تيار الصدر موجود لا يمكن تجاهله.

وشيئاً فشيئاً جرّت هذه الممارسات وغيرها إلى احتكاك وتصادم بين الطرفين تطور آخر الأمر إلى قتال يحدث لأول مرة بين الشيعة وبين المحتلين منذ احتلال العراق قبل عام كامل تماماً!!

وقد تزامن هذا القتال مع معركة (الفلوجة) الشرسـة التي أدت إلى زيادة حدة القتال واشتداد ضراوته في جميع المناطق السنية الملتهبة من قبل. وتحول العراق كله تقريباً - ما عدا المحافظات الكردية الثلاث: أربيل والسليمانية ودهوك - إلى ساحة حرب مشتعلة ضد المحتلين. وبدا كأن توحداً قد حصل - ولو في الظاهر - بين  أهل السنة والشيعة. وتعاطف العالم ووسائل إعلامه مع ما حدث.

في وسط هذه الأجواء المشحونة بالعاطفة والقلق والتوتر نسي أهل السنة كل شيء وانطلق الملأ منهم يهتفون باسم "مقتدى الصدر" ويرفعون صوره ويضفون عليه لقب "المجاهد"! بل منهم من استلف من خزين ذاكرته لقب (عمر المختار) رحمه الله: "شيخ المجاهدين" فتكرم به مجاناً عليه!!

(وانخرطت) المنابر في هذا الهتاف المحموم فكالت وعبت - وبلا حساب - من المدح والحمد. ووُزعت منشورات وعلقت ملصقات تمجد من كان قبل بضعة أيام محسوباً على فصيل العملاء!

بل انتشرت دعاية مُفادها أن أفراداً من "جيشالمهدي" شاركوا في القتال مع أهل الفلوجة!

ولم تقتصر هذه التصورات والأوصاف على مقتـدى وأنصاره وإنما اتسعت عند الكثيرين لتشمل عموم الشيعة في العراق!

وكان الله في عون عامة الجماهير وهي ترى بين عشية وضحاها كيف تنقلب الموازين وتضطرب الأسماء وتختلط المفاهيم وتستبدل الأقنعة وتتغير الجلود! وكأن الأمر كما قد قيل: "ما بين المغرب والعشاء يفعل الله ما يشاء"!

وتتلفت متسائلاً هنا وهناك لتسمع من يقول: هذه سياسة!

نعم! سياسة. ولكن ينبغي أن نسأل قبل ذلك: أية سياسة هذه؟ سياسة أهل الإسلام المبدئية؟ أم هي سياسة أهل الدنيا المصلحية؟!

أيها القوم! إن سياستنا مقيدة بقيد الشرع فهي "سياسة شرعية"، وليست هي - كسياسة أهل الدنيا - سياسة منفلتة من كل قيد شـرعي؛ فهي خاضعة للمصلحة على كل حال. وبهذا افترقنا عن غيرنا. وإلا فإن كثيراً من العلمانيين يصلون ويصومون، وهـم داخلون في عموم مسمى المسلمين. لكنهم في أمور الدنيا أو السياسة يحتكمون إلى المصلحة حسب ما تراه عقولهم - أو أهواؤهم في الغالب - دون الرجوع أو الاحتكام إلى مقررات الشريعة. ويسمون هذا سياسة. وهم لهذا يقولون: لا علاقة للدين بأمور السياسة.

فما الفرق بيننا وبينهـم إذا انسلخت سياستنا عن هذا القيد، وراحت تهيم في أودية المصالح بلا ضابط من الشرع الحكيم؟! ولماذا نحن "إسلاميون" وغيرنا "علمانيون" إذا كنا في الواقع -أو عند التطبيق - على حد سواء؟!

هل من السياسة الشرعية أن نقْلب الحقائق؟ ونتلاعب بالثوابت؟ ونزوّر الوقائع؟ ونُلغي الحقوق؟ ونجعل من الكفر إيماناً؟ ومن الإيمان كفراً؟ ومن العميل وطنياً؟ والخائن مجاهداً؟!

أو قل: هل مسموح لنا شرعاً أن نفعل ذلك كلما لاحت لنا مصلحة ولو كانت ظنية؟ ولم نكن مضطرين أو مكرهين؟

ثم أي مصلحة تتحقق من وراء ذلك؟!

د. طه حامد الدليمي

طه حامد مزعل الدليمي عراقي وداعية إسلامي من المنادين بالفدرالية في العراق. كما أنه أحد علماء الدين العراقيين السُنة المعروفين بمناظرتهم للطائفة الشيعية. كما يعرف من خلال ظهوره الديني بقنوات صفا، و قناة وصال. بالإضافة لكونه داعية، إلا أن الدليمي كان طبيبًا سابقًا