أَعْظَمِ أَكَاذِيبِ التَّارِيخِ

31-03-2020

أَعْظَمِ أَكَاذِيبِ التَّارِيخِ

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَكَاذِيبِ التَّارِيخِ؛ زَعْمَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانُوا يُضْمِرُونَ الْعَدَاوَةَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا!!

وَهَذَا بَاطِلٌ، وَبَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَمَّا يُفْصِحُ بِهِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ  ﴾ " آل عِمْرَانَ: 110 ".

وَقَوْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي »[1].

وإِنَّ مِنْ غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْـمُفَضَّلَةِ؛ أَنْ ظَهَرَ كُتَّابٌ شَوَّهُوا التَّارِيخَ وَحَرَّفُوهُ، وَخَالَفُوا الْحَقَّ وَعَادَوْهُ، فَزَعَمُوا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُونُوا إِخْوَانًا فِي اللهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَكُونُوا رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا أَعْدَاءً يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَمْكُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيُنَافِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَآمَرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ بَغْيًا وَعُدْوَانًا وَاتِّبَاعًا لِلدُّنْيَا وَالْهَوَى.

وَلَعَمْرُ اللهِ: كَذَبُوا وَجَاؤُوا بِإِفْكٍ عَظِيمٍ وَبُهْتَانٍ مُبِينٍ.

لَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّابِقِينَ وَالصَّحَابَةِ الْـمَيَامِينِ؛ أَنْبَلَ وَأَطْهَرَ مِنْ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّةَ أَوْفَى مِنْ ذَلِكَ لِإِسْلَامِهِمَا وَرَحِمِهِمَا وَقَرَابَتِهِمَا، وَأَوْثَقَ صِلَةً وَأَعْظَمَ تَعَاوُنًا عَلَى الْخَيْرِ، وَمَنْ فُتِحَتْ أَقْطَارُ الْأَرْضِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَدَخَلَتِ الْأُمَمُ بِسَعْيِهِمْ وَدَعْوَتِهِمْ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا.

وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيَتَّصِلُ بِبَنِي هَاشِمٍ بِالْخُؤُولَةِ، أَوِ الرَّحِمِ، أَوِ الْـمُصَاهَرَةِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْأخْبَارَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي يَرْوِيهَا أَهْلُ الصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ؛ هِيَ الَّتِي تُثْبِتُ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ خِيرَةِ مَنْ عَرَفَتِ الْإِنْسَانِيَّةُ بَعْدَ الْأنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.

وَأَنَّ الْأخْبَارَ الَّتِي تُشَوِّهُ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ، وَتُوهِمُ أَنَّهُمْ كَانُوا صِغَارَ النُّفُوسِ؛ هِيَ الَّتِي رَوَاهَا الْكَذَبَةُ الْوَضَّاعُونَ.

إِنَّ تَارِيخَ الْـمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُ إِلَى كِتَابَةٍ جَدِيدَةِ، وَذَلِكَ بِأَخْذِهِ مِنْ يَنَابِيعِهِ الصَّافِيَةِ لَاسَيَّمَا فِي الْـمَوَاطِنِ الَّتِي شَوَّهَهَا أَهْلُ الذِّمَمِ الْخَرِبَةِ مِنْ مُلَفِّقِي الْأخْبَارِ، عِلْمًا أَنَّ أُمَّتَنَا الْإِسْلَامِيَّةَ هِيَ أَغْنَى الْأُمَمِ بِمَادَّةِ تَارِيخِهَا الَّذِي حَفِظَتْهُ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ.

وَلَقَدْ تَدَارَكَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ مِنَ الْـمُؤَرِّخِينَ الْأَخْيَارِ قَبْلَ ضَيَاعِهَا، فَجَمَعُوا كُلَّ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ أَيْدِيهِمْ مِنْ غَثٍّ وَسَمِينٍ، مُنَبِّهِينَ عَلَى مَصَادِر الْأخْبَارِ وَأَسْمَاءِ رُوَاتِهَا؛ لِيَكُونَ الْقَارِئُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا.

وَالْآنَ يَأْتِي دَوْرُنَا نَحْنُ الْخَلَفَ؛ كَيْ نَسِيرَ عَلَى خُطَى سَلَفِنَا الصَّالِحِ، وَنُصَفِّيَ هَذِهِ الْكُتُبَ وَنُمَيِّزَ السَّقِيمَ مِنَ الصَّحِيحِ، وَالْغَثَّ مِنَ السَّمِينِ، فَنَكُونَ بِذَلِكَ خَيْرَ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَفٍ، وَحَتَّى يَعْلَمَ الْجَمِيعُ أَنَّ صَحَائِفَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ كَقُلُوبِهِمْ نَقَاءً وَسَلَامَةً وَطُهْرًا.

لَقَدْ بَاتَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مَحْرُومَةً مِنْ أَغْزَرِ يَنَابِيعِ قُوَّتِهَا، أَلَا وَهُوَ الْإِيمَانُ بِعَظَمَةِ مَاضِيهَا، فِي حِينِ أَنَّهَا سَلِيلَةُ سَلَفٍ لَمْ يَرَ التَّارِيخُ سِيرَةً أَطْهَرَ وَلَا أَبْهَرَ وَلَا أَزْهَرَ مِنْ سِيرَتِهِ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فِي التَّارِيخِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الطَّوِيَّةِ لِأَهْلِ الْـحَقّ وَالْـخَيْرِ، عَارِفًا بِهِمْ، وَلِـمَا لَـهُمْ مِنَ الْـحَقِّ وَالْـمَكَانَةِ، بَارِعًا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ حَمَلَةِ الْأخْبَارِ، وَتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ، أَمِينًا صَادِقًا مُتَحَرِّيًا لِلْحَقِّ.



[1] صَحِيح الْبُخَارِي: كِتَاب فَضَائِل الصَّحَابَة، بَاب فَضَائِل أَصْحَاب النَّبِيِّ ح 3651.

الشيخ د.عثمان بن محمد الخميس

عثمان بن محمد بن حمد بن عبد الله بن صالح بن محمد الخميس الناصري التميمي وباختصار عثمان الخميس فقيه ومحدث وأكاديمي يرجع نسبه إلى قبيلة النواصر من ذرية المسور بن عمر بن عباد بن الحُصين التميمي آخر أمراء قبيلة بني تميم، عالم دين سني كويتي.