الرد على القول بأن ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة

31-03-2020

الرد على القول بأن ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة

 

وأما قول: أما دليل كونها بدعة حسنة، فقد روي البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي، قال: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أ ثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة ضلالة؛ الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر -رضي الله عنه- في قيام رمضان: "نعمت البدعة هذه" يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.

فجوابه من وجوه:

 أحدها: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء وتحسينه، أو على منعه وذمه لا تؤخذ من أقوال العلماء، وإنما تؤخذ من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره منهم على القول الراجح. وما ذكره البيهقي عن الشافعي -رحمه الله تعالى- ليس فيه دليل على تحسين بدعة المولد، ولا غيرها من البدع، بل يؤخذ من كلامه ذم الاحتفال بالمولد لمخالفته للكتاب والسنة والأثر وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها كما سيأتي بيانه إن شاء الله –تعالى، وقد روي كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- بلفظ آخر وهو ما رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية من طريق إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: «البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قيام رمضان نعمت البدعة هذه»، قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم": ومراد الشافعي -رضي الله عنه- ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها للسنة، انتهى.

الوجه الثاني: أن يقال إن بدعة المولد ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وإنما هي مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وعلى هذا فهي بدعة مذمومة، وفي الرواية التي ذكرها أبو نعيم عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أبلغ رد على البعض فيما تعلق به من الرواية الأولى عن الشافعي، وزعم أنها تدل على تحسين بدعة المولد.

الوجه الثالث: أن يقال إن الاحتفال بالمولد مخالف للكتاب والسنة والأثر، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فأما مخالفته للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فقد تقدم بيانه في أول الكتاب فليراجع [1].

وأما مخالفته للأثر، فقد قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا معاذ بن معاذ قال: أخبرنا ابن عون عن نافع، قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها قال: فأمر بها فقطعت، إسناده صحيح إلى نافع، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر -رضي الله عنه-، فإنه لم يدركه وهذا الأثر مشهور عن عمر رضي الله عنه، وقال ابن أبي شيبة أيضًا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر رضي الله عنه في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر ﴿  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ  ، ﴿  لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ   فلما قضى حجه، ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا، فقال: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرض له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» إسناده صحيح على شرط الشيخين، وفي هذين الأثرين عن عمر -رضي الله عنه- دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا لما في ذلك من الغلو ومضاهاة أهل الكتاب في تتبعهم لآثار أنبيائهم، وقد صرح عمر -رضي الله عنه-، أن تتبع آثار الأنبياء من الهلاك، وقد ذكرت فيما تقدم أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا والتشبه بهم حرام شديد التحريم، وقد ذكرت الأدلة على ذلك فيما تقدم فلتراجع[2] ففيها أبلغ رد على البعض الذي قد نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذبّ عنها.

الوجه الرابع: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا يعود في كل عام لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من سنة الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان، وإنما أحدثه سلطان إرببل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، وقد تقدم إيراد النصوص في التحذير من محدثات الأمور، وبيان أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبيان أن شر الأمور محدثاتها، وتقدم أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي هذه النصوص أبلغ تحذير من بدعة المولد وغيرها من المحدثات، وقد قال الله تعالى ﴿  وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  ، وبدعة المولد داخلة فيما نهى عن رسول الله لأنها من محدثات الأمور التي قد حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وقال تعالى: ﴿  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ، والذين يعملون بدعة المولد لا شك أنهم قد خالفوا الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يقتصروا على الأعياد المشروعة للمسلمين، بل زادوا عليها عيدًا لم يأذن به الله، ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم، فهم بذلك متعرضون للفتنة والعذاب الأليم.

وقد أمر الله المؤمنين باتباع ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه، وعلق محبته للعباد ومغفرته لذنوبهم وهدايته إياهم ونيلهم الفلاح على اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وذم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وذم الذين ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وفي هذا أبلغ تحذير من الابتداع في الدين واتباع المبتدعين للأعياد وغيرها من البدع.

 



[1] ص 6- 13.

[2] ص 26-27.

الشيخ حمود بن عبدالله التويجري

هو الشيخ حمود بن عبد الله بن حمود بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مقحم بن عبدالله التويجري من آل جبارة - بتشديد الباء الموحدة التحتية - بطن كبير من قبلة عنزة القبيلة الوائلية الربعية العدنانية.

 

ولدحيث تقيم أسرته - في مدينة المجمعة عاصمة سدير، وذلك في عام 1334 هـ، وفي صباه شرع يقرأ في كُتاب المربي - أحمد الصائغ - وذلك في عام 1342 هـ، وتوفي والده بعد ذلك بأيام قليلة، وكان عمر الشيخ إذ ذاك ثمان سنوات، فتعلم مبادىء القراءة والكتابة في هذا الكُتاب، ثم حفظ القرآن الكريم، وهو لم يتجاوز الحادية عشر من عمره.

 

كما قرأ في هذه السن المبكرة مختصرات الكتب العلمية في التوحيدوالحديث والفقه والفرائض والنحو.

 

ومما قرأ على الشيخ أحمد الصايغ (الأصول الثلاثة) للشيخ الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله.

 

ولما بلغ سن الشباب لازم حلقة الفقيه قاضي بلدان سدير الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري، واستمر في القراءة عليه ربع قرن، قرأ عليه فيها شتى العلوم والفنون من التوحيدوالتفسير والحديث والفقه وأصولها والفرائض والنحو وكتب السيرة والتاريخ والأدبوغيرها.

الوسوم